Notification Logo

مقالات الدكتور عبد الله السويدي

الاستدامة لا تعني التضحية بالحاضر من أجل المستقبل، بل تعني اتخاذ خيارات مدروسة اليوم تسمح لكليهما بالازدهار

الثقافة التنظيمية كمدخل للتفوق المستدام في البيئات الديناميكية

إن المنظمات التي تطمح إلى الاستمرار والبقاء لا بد أن تتجاوز مجرد السعي إلى ترسيخ ثقافة الابتكار، لتعمل بدلاً من ذلك على بناء ثقافة  تقوم على الملاءمة المستدامة.Sustainable Relevance   وهيتقتضي النظر إلى التغيير وعدم اليقين لا بوصفهما حدثين يعرقلان الاستقرار، بل باعتبارهما الحالة الطبيعية للعالم المعاصر. إن الحفاظ على الملاءمة يعني البقاء في حالة وعي دائم—وعي خارجي بالتغيرات في الأسواق وتوقعات المجتمع، ووعي داخلي مرتكز على رسالة واضحة وغاية سامية.

لقد تشكّلت فلسفة الإدارة خلال القرن الماضي وفق منطق تحسين الأداء وتعظيم الربح. فالكفاءة، والتوحيد القياسي للعمليات، واقتصاديات الحجم كانت القيم العملياتية السائدة، مستندة إلى افتراض ضمني مفاده أن الغد سيكون امتداداً للأمس مشابه له. وكانت الاستراتيجية في جوهرها تمرينًا على استقراء الحاضر وتمديد أنماطه إلى المستقبل. ورغم أن هذا المنظور أسهم في تحقيق تقدم صناعي ملحوظ، إلا أنه حمل في طياته هشاشة صامتة تمثلت في افتراض الاستمرارية.

أما اليوم، فإن الاستمرارية أصبحت الاستثناء لا القاعدة. فقد أعادت وتيرة التطور التكنولوجي المتسارعة، والتحولات المجتمعية، والضغوط البيئية، وديناميكيات شبكات العلاقات التنظيمية، تشكيل المشهد بأكمله. وفي مثل هذا السياق، يصبح التفكير الخطي عبئًا لا ميزة. فالمستقبل لا يتشكل في خطوط مستقيمة، بل ينبثق عبر تحولات نوعية.

ومن ثمّ، فإن المطلوب هو عقلية غير خطية—عقلية تستشرف التحول، وتتوقع الاضطراب، وتتحرك ببصيرة مدروسة لا بردود فعل دفاعية. غير أن تغيير العقلية وحده لا يكفي؛ إذ لا بد أن تتطور الثقافة التنظيمية لتحتضن هذا التحول. فالتجديد على مستوى المنظمة بأكملها يتطلب بيئات—لا سيما داخل القيادة التنفيذية ووحدات الابتكار—تتعامل مع عدم اليقين بوصفه مصدرًا للفرص، وتشجع على التساؤل الجريء، وتضفي الشرعية على التجريب المنضبط، بما في ذلك التعلم الذكي من الفشل.

في مثل هذه الثقافات، يصبح الاكتشاف ممارسة مؤسسية لا جهدًا فرديًا عابرًا. يُقدَّر فيها التساؤل أكثر من الرضا بالواقع، ويُفضَّل الفضول على اليقين المطمئن، ويُعزَّز الترابط بدل العزلة. وهي ثقافات تخاطب جيلاً لا يسعى إلى الإنجاز فحسب، بل إلى المعنى—حيث يتكامل الأداء مع الرسالة.

إجمالاً، لم يعد التفوق المستدام ينبع أساسًا من تحسين ما هو معروف، بل من القدرة الرشيقة على التكيف مع ما هو غير معلوم. فالمنظمات التي تدرك هذه الحقيقة لا تكتفي بإدارة التغيير، بل تُصاغ بنيتها بحيث تتطور معه.

مشاركة عبر:

التعليقات والآراء

لا توجد تعليقات بعد.