Notification Logo

Dr. Abdullah Al-Swidi Articles

Sustainability isn't about sacrificing the present for the future—it's about making thoughtful choices today that allow both to flourish.

حين أصبحت الحقيقة أغلى من الحياة: تأملات في تحول سحرة فرعون



التحول الذي تصوره سورة الشعراء في قصة السحرة من أعمق مشاهد الانقلاب النفسي والفكري والقيمي في القرآن الكريم.

فالذين دخلوا ساحة المواجهة وهم يتطلعون إلى المال، والغلبة، والقرب من فرعون، خرجوا منها وقد هانت في أعينهم الأموال والمناصب، بل وهانت الحياة نفسها أمام حقيقة عرفوها في لحظة.

ولعل الأشد إثارة في هذا المشهد ليس مجرد انتقالهم من الكفر إلى الإيمان، وإنما قدرتهم المذهلة على قبول الحق حين عرفوه.

لقد كانوا الطرف المقابل لموسى، وجاؤوا ليهزموه، واجتمع الناس لمشاهدة تفوقهم عليه، ووعدهم فرعون بالأجر والمنزلة.

كان كل شيء يدفعهم نفسيًا واجتماعيًا ومصلحيًا إلى إنكار ما رأوه أو البحث عن تفسير يحفظ لهم مكانتهم.

لكنهم حين عرفوا الحقيقة لم يسألوا:

ماذا سنخسر إن اعترفنا بها؟ بل استجابوا لها. وهنا تكمن عظمتهم.

 

 حين كانت الدنيا هي الأفق كله

يقول تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ۝ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾

تأمل أول سؤال لهم: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾.

إنها جملة قصيرة، لكنها تكشف عالمًا كاملًا من القيم.

لم يسألوا: أين الحق؟

ولم يسألوا: هل موسى صادق؟

كان اهتمامهم المباشر:

ماذا سنحصل عليه إذا انتصرنا؟

إنها علاقة مصلحة واضحة: مهارتهم في مقابل المال. لكن فرعون أضاف شيئًا ربما كان أشد إغراء من المال:

﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.

وهكذا اكتملت أمامهم منظومة النجاح الدنيوي:

المال والانتصار والمكانة والقرب من السلطة.

لقد دخلوا الميدان وهم يتطلعون إلى أن يكونوا من المقربين من فرعون، وبعد لحظات قليلة سيصبح تطلعهم كله إلى مغفرة رب العالمين.

وهنا يبدأ الانقلاب.

"بعزة فرعون": من أين يستمد الإنسان قوته؟

يقول تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾

وتعبير: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾، يكشف مركز القوة في نفوسهم.

فالعزة مرتبطة بفرعون.

والنصر مرتبط بفرعون.

والأجر سيأتي من فرعون.

والمكانة يمنحها فرعون.

وكأن عالمهم كله يدور حول هذه السلطة، ولكن بعد لحظات فقط سيتغير مركز الكون النفسي عند هؤلاء الرجال.

 

اللحظة الفاصلة: حين عرف أهل الخبرة أن هذا ليس سحرًا

﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ۝ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾

وهنا تكمن دلالة عظيمة، فالسحرة كانوا أهل الاختصاص.

وقد ينخدع الجمهور بالسحر، ولكن الساحر يعرف حدود السحر.

لذلك أدركوا من داخل خبرتهم أن ما جاء به موسى ليس حيلة أكثر براعة من حيلهم، ولا سحرًا أقوى من سحرهم.

لقد واجهوا حقيقة يعرفون هم، بحكم تخصصهم، دلالتها، ولهذا جاء التعبير القرآني العجيب:

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.

فلم يقل فقط:

فسجدوا.

وكأن سلطان الحقيقة كان من القوة بحيث ألقى بهم إلى الأرض.

فلقد سقط السحر من أيديهم، وسقط معه عالم كامل كان قائمًا في نفوسهم.

 

وهنا تظهر خصلة عظيمة: الشجاعة في قبول الحق

وهذه نقطة تستحق أن نقف أمامها طويلًا، فمعرفة الحق شيء، والشجاعة في قبوله شيء آخر.

فكم من إنسان يرى الدليل، ولكنه يرفضه لأن قبوله مكلف. وقد يمنعه الكبر، أو السمعة، أو المصلحة، أو المنصب، أو الخوف من أن يقول الناس:

لقد كنت مخطئًا.

أما هؤلاء السحرة، فقد كانت تكلفة الاعتراف بالحقيقة هائلة، فهم خبراء السحر في البلاد، وقد جمعهم فرعون أمام الناس.

وقد جاؤوا واثقين من الغلبة:

﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.

 

فكيف يعترفون الآن، أمام الجمهور نفسه، بأن الرجل الذي جاؤوا لهزيمته هو صاحب الحق؟

 

كان يمكن أن يعمل في نفوسهم الكِبر المهني:

نحن كبار السحرة، كيف نعترف بالهزيمة؟

وكان يمكن أن تعمل المصلحة:

ماذا عن الأجر الذي وعدنا به فرعون؟

وكان يمكن أن تعمل المكانة:

ماذا عن وعده لنا بأن نصبح من المقربين؟

وكان يمكن أن يعمل الخوف:

ماذا سيفعل بنا فرعون؟

ولكن شيئًا عظيمًا حدث في نفوسهم:

حين تبين لهم الحق، أصبحت الحقيقة عندهم أكبر من ذواتهم، وهذه من أندر صور الشجاعة الإنسانية.

 

القدرة على قول: "كنت مخطئًا"

قد تكون هذه واحدة من أعظم الدروس في قصة السحرة.

فالإنسان لا يحتاج إلى الشجاعة فقط لكي يدافع عما يؤمن به؛ بل يحتاج أحيانًا إلى شجاعة أكبر لكي يقول: لقد كنت مخطئًا.

والسحرة فعلوا أكثر من ذلك، فهم لم ينسحبوا بهدوء، ولم يقولوا:

نحتاج إلى وقت للتفكير، ولم يحاولوا إنقاذ صورتهم أمام الجمهور، ولم يبحثوا عن تفسير ملتفّ لما شاهدوه.

بل انتقلوا من الطرف الذي يحارب موسى إلى الطرف الذي يؤمن برب موسى في قلب المواجهة نفسها.

﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾.

وهذه صورة بالغة النقاء من التجرد للحق، فليس العظيم من لا يخطئ، وإنما من لا يجعل خطأه السابق حاجزًا بينه وبين الحقيقة حين تتبين له.

 

من الغلبة إلى الحق

قبل المعجزة قالوا: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.

حيث كان السؤال الذي يحكم المشهد: من سينتصر؟

وبعد المعجزة تغير السؤال:

من على الحق؟، وهذا تحول بالغ العمق.

فالإنسان قد يدخل الحوار باحثًا عن الانتصار لنفسه، بينما المتجرد يدخل باحثًا عن الحقيقة.

والفرق بينهما أن الأول إذا ظهر الدليل المخالف له شعر بالهزيمة، أما الثاني فيشعر أنه ربح الحقيقة.

والسحرة خسروا المواجهة، ولكنهم ربحوا شيئًا أكبر منها، لقد كانوا قادرين على الفصل بين: هزيمة موقفهم وهزيمة ذواتهم.

فلم يعتبروا اكتشاف خطئهم إهانة لهم، وإنما رأوه بابًا إلى الحق.

 

من الأجر إلى المغفرة

في أول المشهد: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾.

وفي آخره: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

يا لبعد المسافة بين العبارتين! في البداية كان الطمع في أجر فرعون.

وفي النهاية أصبح الطمع في مغفرة الله.

لم تختف الرغبة من نفوسهم، وإنما تغير موضوع الرغبة.

كان السؤال:

ماذا سيعطينا فرعون؟

وأصبح:

ماذا نرجو عند الله؟

وهذه إحدى أعمق وظائف الإيمان في النفس:

ليس أن يجعل الإنسان بلا رغبات، وإنما أن يعيد توجيه رغباته وترتيبها.

 

ومن المقربين إلى رب العالمين

قال لهم فرعون:

﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.

كانت قمة طموحهم أن يدخلوا دائرة القرب من الحاكم.

ثم قالوا:

﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهنا اتسع العالم فجأة.

قبل دقائق كان فرعون يملأ مجال رؤيتهم.

والآن ظهر رب العالمين.

فماذا يبقى من ضخامة فرعون أمام رب العالمين؟

وهنا قاعدة نفسية عميقة:

الطاغية يبدو كبيرًا حين يكون عالم الإنسان صغيرًا.

فإذا عرف الإنسان ربه، واتسع أفقه إلى الآخرة، عاد الطاغية إلى حجمه الحقيقي:

 بشرًا محدودًا، يملك شيئًا من أسباب الدنيا، ولا يملك مصير الإنسان.

 

من طلب رضا السلطة إلى تحدي السلطة

وهنا يبلغ المشهد ذروته.

يقول فرعون:

﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾

وتأمل هذه العبارة.

حتى الإيمان يريده فرعون بإذن منه!

فالاستبداد لا يريد السيطرة على أفعال الإنسان فقط؛ إنه يريد السيطرة حتى على ضميره وقناعته.

ثم يهددهم بأقصى ما تملكه السلطة:

﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

وهنا تظهر المسافة المذهلة التي قطعها هؤلاء الرجال في لحظات.

قبل قليل: هل لنا أجر؟

والآن:

قطع للأيدي والأرجل وصلب، فكان الجواب:

﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾.

﴿لَا ضَيْرَ﴾!، كلمتان تهدمان سلطان فرعون النفسي كله.

 

لماذا أصبح الموت "لا ضير"؟

لم يصبح العذاب أقل ألمًا.

ولم يصبح الصلب أهون.

ولم تتغير أدوات فرعون.

الذي تغير هو الإنسان الذي ينظر إليها.

قبل الإيمان كانت الحياة هي الأفق كله، ولذلك كان من يستطيع أن يسلبهم الحياة يملك أقصى وسائل الضغط عليهم، أما الآن فقد دخلت الآخرة في المعادلة:

﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾.

وهنا فقد فرعون أقوى أوراقه، فهو يستطيع أن يقول:

سأحرمكم المال.

لكنهم لم يعودوا يريدون أجره.

سأحرمكم القرب مني.

لكنهم لم يعودوا يرون القرب منه قيمة عليا.

سأعذبكم.

والعذاب ينتهي.

سأقتلكم.

فيجيبون:

﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾.

كأنهم يقولون له:

تملك أن تتحكم في كيفية خروجنا من الدنيا، ولكنك لا تملك أن تتحكم في المكان الذي ننقلب إليه بعدها.

 

تغير الزمن الذي يعيشون من أجله

وهذا من أعمق التحولات، فقبل الآية كانت رؤيتهم قصيرة:

ننتصر اليوم، فنحصل على المال، ونصبح من المقربين.

أما بعد الإيمان:

﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾، ثم:

﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.

لقد تغير الأفق الزمني الذي تُتخذ داخله القرارات.

فمن يعيش للراتب القادم قد يبيع بعض مواقفه من أجل الراتب.

ومن يعيش للمنصب قد يصمت من أجل المنصب.

ومن يعيش لرضا الناس قد يخشى مخالفتهم.

أما من يرى حياته ممتدة إلى لقاء الله، فإن حساباته تصبح مختلفة تمامًا.

ولهذا جاءت شجاعتهم نتيجة طبيعية لتغير تصورهم للحياة نفسها.

 

المفارقة العظيمة: هُزموا فانتصروا

دخل السحرة الساحة يريدون الغلبة:

﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.

لكنهم هُزموا أمام موسى.

ومع ذلك كانت تلك الهزيمة أعظم انتصار في حياتهم.

خسروا المسابقة.

وخسروا أجر فرعون.

وخسروا فرصة القرب منه.

وتعرضوا لفقد أجسادهم وحياتهم.

لكنهم وجدوا الحقيقة.

ومن هنا يعيد القرآن بناء مفهوم النجاح:

ليس كل غالب ناجحًا.

وليس كل مغلوب خاسرًا.

قد يخسر الإنسان جدالًا فيربح الحقيقة.

وقد يخسر منصبًا فيربح كرامته.

وقد يخسر مالًا فيربح مبدأه.

وقد يكتشف أنه قضى سنوات في طريق خاطئ، فتكون أعظم لحظة في حياته هي اللحظة التي امتلك فيها الشجاعة للرجوع عنه.

 

ولعل أجمل ما في القصة: سرعة الرجوع إلى الحق

يمكن تلخيص رحلة السحرة في أربع عبارات:

﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾
تمثل منظومة المصلحة.

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾
تمثل التجرد والشجاعة في قبول الحقيقة.

﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
تمثل إعادة بناء المرجعية.

﴿إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾
تمثل إعادة تعريف الحياة والموت.

ثم تأتي الغاية:

﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.

وهنا تكتمل الرحلة:

من الأجر إلى المغفرة،
ومن فرعون إلى رب العالمين،
ومن الغلبة إلى الحق،
ومن المصلحة إلى المبدأ،
ومن الخوف على الحياة إلى الاستعداد لبذل الحياة،
ومن الدفاع عن الموقف إلى الشجاعة في الاعتراف بخطئه.

ولعل هذا هو أعمق درس في قصة السحرة:

ليست الهداية أن ترى الحق فقط، وإنما أن تكون حرًا من نفسك بما يكفي لتتبعه عندما تراه.

فكم من إنسان يعرف الحق ولكن تحول بينه وبينه مصلحته، أو مكانته، أو تاريخه السابق، أو خوفه من الناس، أو صعوبة الاعتراف بأنه كان مخطئًا.

أما سحرة فرعون، ففي لحظة واحدة تحرروا من ذلك كله.

لم يكن أعظم ما فعلوه أنهم سجدوا، بل أنهم كانوا مستعدين لهدم عالمهم القديم كله عندما عرفوا أنه قائم على باطل.

ولذلك لم تتغير الدنيا من حولهم:

فرعون هو فرعون،

والتهديد هو التهديد،

والسيف هو السيف.

ولكن الذي تغير هو الإنسان في الداخل؛ تغيرت مرجعيته، وتغيرت رغباته، وتغير تعريفه للنجاح والخسارة، وتغيرت نظرته للحياة والموت.

ولهذا فإن قصة السحرة ليست فقط قصة أناس رأوا معجزة فآمنوا؛ إنها قصة تحرر الإنسان حين يعرف الحقيقة، ثم يمتلك الشجاعة أن يدفع ثمنها.

 

Share via:

Comments & Ratings

No comments yet.